أبي منصور الماتريدي
43
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وفي قوله : لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً [ طه : 89 ] ذكر سفههم لعبادتهم شيئا لا يملك لهم ضرّا ولا نفعا . وقوله : اتَّخَذُوهُ [ أي : اتخذوه ] « 1 » إلها عبدوه ، وَكانُوا ظالِمِينَ في عبادتهم العجل ؛ لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها ، والألوهية في غير موضعها . وقوله - عزّ وجل - : وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ هذا حرف تستعمله العرب عند وقوع الندامة وحلولها ، وتأويله : لما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم ، أي : ندموا على ما كان منهم . وقوله - عزّ وجل - : لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا أي : لئن لم يرحمنا ربنا ، ويوفقنا للهداية والعبادة له ، ويغفر لنا لما كان منا من العبادة للعجل ، والتفريط في العصيان لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ . ويحتمل قوله : لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا ابتداء طلب الرحمة والمغفرة ؛ كقوله : وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ . . . الآية [ هود : 90 ] . ويحتمل التجاوز لما كان منهم والعفو . وفي قوله : أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ بعد قوله : لَهُ خُوارٌ دلالة أن الكلام هو ما يفهم منه المراد ليست الحروف نفسها ؛ لأنه أخبر أن له خوارا ، ثم أخبر أنه كان لا يكلمهم ، دل أن الصوت وإن كان ذا هجاء وحروف ليس بكلام ، وذلك يدل لأصحابنا في مسألة : إذا حلف ألا يكلم فلانا ، ثم خاطبه بشيء لا يفهم مراده أن ذلك ليس بكلام ، ولا يحنث « 2 » .
--> - فذهب الجمهور إلى أنه ليس حجة ولا يفيد العلية ، وهو مذهب الآمدي وابن الحاجب ، وحجتهم في ذلك : أن الطرد معناه وجود الحكم مع وجود الوصف ، وهذا معناه سلامة الوصف من النقض ، وهذا لا يدل على عليته ؛ لأنه مانع واحد وهذا لا يمنع وجود موانع أخرى غيره . وذهب بعض العلماء - ومنهم الرازي والبيضاوي - إلى أنه حجة ويفيد العلية . ومستندهم في ذلك : أن وجود الحكم مع الوصف في كل الصور - ما عدا صورة النزاع - يرجح كون الوصف علة ؛ لأن فرض المسألة عدم وجود علة للحكم غيره ، فإذا لم يجعل هذا الوصف علة للحكم لكان الحكم خاليا من العلة ، وبالتالي يخلو عن المصلحة ، وهذا خلاف المعروف من أن كل حكم لا يخلو عن مصلحة . وإذا ثبتت عليته في غير المتنازع فيه ثبتت في المتنازع فيه كذلك ؛ إلحاقا بالكثير الغالب فيكون الظن مفيدا للعلية ، وهو المطلوب . ينظر : دراسات في أصول الفقه ( 116 ، 117 ) والبحر المحيط للزركشي ( 5 / 248 ) ، والبرهان ( 2 / 788 ) ، وأحكام الآمدي ( 3 / 275 ) ، ونهاية السول ( 4 / 135 ) . ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ينظر المبسوط ( 9 / 22 ) .